ابن قيم الجوزية
75
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
بل فطرة اللّه التي لم يفطروا * ألا عليها الخلق والثقلان ونظير هذا أنهم فطروا على * اقرارهم لا شك بالديان لكن أولو التعطيل منهم أصبحوا * مرضى بداء الجهل والخذلان الشرح : هذه من جملة كلام أهل السنة والجماعة في اثبات الفوقية للّه عز وجل على الحقيقة ، حيث أخبر سبحانه أنه رفع عيسى عليه السلام إليه بجسده وروحه حيا ، كما قال تعالى : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [ آل عمران : 55 ] وكما قال : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [ النساء : 157 ، 158 ] فإضافة الرفع إلى ضمير عيسى عليه السلام في الآيتين يدل على أنه رفع كله ويرد على من زعم أن الرفع إنما هو لروحه وحدها ، وأن جسده قد مات ودفن ، وهو زعم باطل ، فإنه لا يظهر حينئذ لتخصيص عيسى عليه السلام بذلك الرفع معنى ، إذ كل ميت هو كذلك ترفع روحه إلى السماء ، وقد ورد في الحديث الصحيح أن عيسى سينزل قرب قيام الساعة ، وأنه سيقتل المسيح الدجال ويكسر الصليب ويضع الجزية على أهل الكتاب ، وتمتلئ الدنيا في عهده خيرا وعدلا . وكذلك ورد الحديث بأن أرواح المؤمنين تعرج بها ملائكة الرحمة حتى تمثل بين يدي اللّه عز وجل فيبشرها بما أعد لها من نعيم فترجع آمنة مطمئنة . وهو سبحانه كذلك الذي تتجه إليه آمال عباده نحو العلو دون أن يوصي بعضهم بعضا بذلك ، بل فطرة فطرهم اللّه عليها كما فطرهم على الاقرار بوجوده ، لكن أهل التعطيل قد فسدت فطرهم فجحدوا هذه الضرورات التي يجدها الناس من أنفسهم بالتوجه دائما في الدعاء والرجاء نحو العلو ، وأصبحوا مرضى بداء الجهل والخذلان ، أعاذنا اللّه مما ابتلاهم به بمنه وكرمه . فسألت عنهم رفقتي وأحبتي * أصحاب جهم حزب جنكيز خان